السيد محمد تقي المدرسي

94

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

ألفاظها للمعاني التي تدور عليها الإفادة والاستفادة في جميع العصور لِيُقال : إنّ البشر لا يقدر على ذلك ، بل يمكن الوضع بشكل تدريجيٍّ في كلِّ عصرٍ حسب تدريجية الحاجة إلى التعبير عنها . » « 1 » ومناقشة أخرى ذُكِرت في هذا المجال مفادها : « إنّه على فرض تسليم أنّ البشر قادر على وضع الألفاظ لمعانيها - بمعنى : أنّ شخصاً أو جماعة معيَّنين من أهل كلّ لغةٍ يتمكن من وضع ألفاظها لمعانيها إلّا انّه لمّا كان من أكبر الخدمات للبشر فلابدّ من تصدّي التواريخ لضبطه » . « 2 » والواقع إنّ حوادث التاريخ التي تهمنا ربما لم تكن تهمّ السابقين ، أو أنها قد كتُبت ودُرست مع الكثير من العلوم التي دُرست . على أن حوادث أعظم من وضع اللغة مثل اكتشاف النار والزراعة قد خفيت علينا ، والسر في ذلك أن كثيراً من الإبداعات هي من صنع الشعوب وعلى أساس سنّة التطور التدريجي ، ولذلك فإنها لاتُضبط عادة في الكتب التاريخية . وبالتالي : ما دامت اللغات قد وُضعت تدريجياً وعبر قرون متطاولة فإنَّ ضبطها لا يكون مفيداً . وفي هذا المجال يقول المحقق العراقي - حسب تقريرات درسه - : « لو فُرِض من أول خلقة آدم ( على نبينا وآله وعليه السلام ) إلى زماننا هذا - أنّ كل طائفة قد وضعوا جملة من الألفاظ لجملة من المعاني المتداولة بينهم على قدر ابتلائهم بها في إظهار ما في ضمائرهم إلى أن إنتهى الأمر إلى زماننا الذي قد كثر فيه اللغات وكثرت الألفاظ والمعاني ، فأيّ محذور عادي أو عقلي يترتب عليه ؟ » « 3 » 4 - أما المناقشة في العلاقة الطبيعية بين الكلمة والمعنى ، فإنّ المناقشة فيها قد ألغت‌في رأيي - أبواب البلاغة ، ولعلَّ العلم يعود يوماً إلى دراسة أكثر جدية لهذه المسألة الهامة .

--> ( 1 ) - المصدر ، ص 42 . ( 2 ) - المصدر ، ص 40 . ( 3 ) - نهاية الأفكار ، ج 1 ، ص 24 .